المقريزي
165
المقفى الكبير
وقال : هذا هو البرهان الذي أراده اللّه تعالى بقوله : قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ البقرة : 111 ] ، وقال : هذا بلاغ من يريد الإيمان والدخول في السابقين ، أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [ الواقعة : 11 ] ، فكان من أدّى سبعة دنانير عن البلغة أطعمه شيئا حلوا لذيذا في قدر البندقة ، وقال له : « هذا طعام أهل الجنّة نزل إلى الإمام » . وصار يبعث إلى كلّ داع منها مائة بلغة ويطالبه بسبعمائة دينار ، عن كلّ واحدة سبعة دنانير . [ 509 أ ] ثمّ فرض عليهم الخمس من كلّ ما يملكونه وما يكتسبونه ، وتلا عليهم قول اللّه تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ [ الأنفال : 41 ] ، فبادروا إلى ذلك وقوّموا سائر ما يملكونه من ثوب وغيره وأدّوا منه الخمس ، حتّى إنّ المرأة كانت تخرج من غزلها خمسه والرجل يخرج الخمس ممّا يكسبه . ثمّ فرض عليهم « الألفة » وهي أنّهم يجمعون أموالهم في موضع واحد ، وأن يكونوا فيه كلّهم أسرة واحدة لا يفضّل أحد من أصحابه على صاحبه ولا أخيه في ملك يملكه بشيء البتّة ، وتلا عليهم قول اللّه تعالى : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً . . . الآية [ آل عمران : 103 ] ، وقوله تعالى : لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ الأنفال : 63 ] . وقال لهم : لا حاجة بكم إلى الأموال فإنّ الأرض بأسرها ستكون لكم دون غيركم ، وقال لهم : هذه محنتكم التي امتحنتم بها ليعلم كيف تعملون . وألزمهم بشراء السلاح في سنة ستّ وسبعين ومائتين وأقام في كلّ قرية رجلا مختارا من الثقات تجمع عنده أموال قريته من غنم وبقر وحلي ومتاع وغير ذلك ، فكان يكسو عاريهم وينفق عليهم ما يكفيهم حتّى لم يبق بينهم فقير ولا محتاج . وأخذ كلّ رجل منهم بالانكماش في صناعته والكسب بجهده ليكون له الفضل في رتبته ، وجمعت إليه المرأة كسبها من مغزلها ، وأدّى إليه الصبيّ أجر نظارته وحراسته للطير ونحوه ، ولم يبق في ملك أحد منهم غير سيفه وسلاحه لا غير . ثمّ لمّا استقام له ذلك كلّه أمر الدعاة أن تجمع النساء في ليلة عيّنها ويختلطن بالرجال حتّى يتراكبن ، وقال : « هذا من صحّة الودّ والإلف » ، ففعلوا ذلك . ثمّ إنّه أفشى فيهم إباحة الأموال والفروج ، والغنى عن الصوم والصلاة وجميع الفرائض ، وقال : هذا كلّه موضوع عنكم ، ودماء المخالفين وأموالهم حلال لكم ، ومعرفة صاحب الحقّ تغنيكم عن كلّ شيء ولا تخافون معه إثما ولا عذابا . وعنى بصاحب الحقّ الإمام محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ، وقال : بهذا الإمام اتّسقت هذه الأمور ، ولولاه لهلك الخلق وعدم الهدى والعلم . فبسطوا أيديهم بسفك الدماء وقتلوا جماعة ممّن خالفهم ، فخافهم الناس ووافقهم كثير من مجاوريهم . [ بناء دار الهجرة ] ثمّ إنّ الدعاة اتّفقوا على بناء دار هجرة فأقاموا سورا في قرية يقال لها « مهتماباذ » من سواد الكوفة [ 509 ب ] ، وجعلوا عرضه ثمانية أذرع ، ومن ورائه [ 345 ب ] خندق عظيم ، وبنوا من داخل السور المباني ، وتحوّل إليها الرجال والنساء ، وذلك في سنة سبع وسبعين ومائتين ، كلّ ذلك والخليفة ببغداد